فخر الدين الرازي
376
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
بسم اللّه الرحمن الرحيم سورة الناس وهي ست آيات مدنية [ سورة الناس ( 114 ) : الآيات 1 إلى 3 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ( 1 ) مَلِكِ النَّاسِ ( 2 ) إِلهِ النَّاسِ ( 3 ) قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلهِ النَّاسِ فيه مسائل : المسألة الأولى : قرئ : قُلْ أَعُوذُ بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى اللام ونظيره : فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ [ البقرة : 260 ] وأيضا أجمع القراء على ترك الإمالة في الناس ، وروي عن الكسائي الإمالة في الناس إذا كان في موضع الخفض . المسألة الثانية : أنه تعالى رب جميع المحدثات ، ولكنه هاهنا ذكر أنه رب الناس على التخصيص وذلك لوجوه أحدها : أن الاستعاذة وقعت من شر الموسوس في صدور الناس فكأنه قيل : أعوذ من شر الموسوس إلى الناس بربهم الذي يملك عليهم أمورهم وهو إلههم ومعبودهم كما يستغيث بعض الموالي إذا اعتراهم خطب بسيدهم ومخدومهم ووالي أمرهم وثانيها : أن أشرف المخلوقات في العالم هم الناس وثالثها : أن المأمور بالاستعاذة هو الإنسان ، فإذا قرأ الإنسان هذه صار كأنه يقول : يا رب يا ملكي يا إلهي . المسألة الثالثة : قوله تعالى : مَلِكِ النَّاسِ ، إِلهِ النَّاسِ هما عطف بيان كقوله : سيرة أبي حفص عمر الفاروق ، فوصف أولا بأنه رب الناس ثم الرب قد يكون ملكا وقد لا يكون ، كما يقال : رب الدار ورب المتاع قال تعالى : اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ [ التوبة : 31 ] فلا جرم بينه بقوله : مَلِكِ النَّاسِ ثم الملك قد يكون إلها وقد لا يكون فلا جرم بينه بقوله : إِلهِ النَّاسِ لأن الإله خاص به وهو سبحانه لا يشركه فيه غيره وأيضا بدأ بذكر الرب وهو اسم لمن قام بتدبيره وإصلاحه ، وهو من أوائل نعمه إلى أن رباه وأعطاه العقل فحينئذ عرف بالدليل أنه عبد مملوك وهو ملكه ، فثنى بذكر الملك ، ثم لما علم أن العبادة لازمة له واجبة عليه ، وعرف أن معبوده مستحق لتلك العبادة عرف أنه إله ، فلهذا ختم به ، وأيضا أول ما يعرف العبد من ربه كونه مطيعا لما عنده من النعم الظاهرة والباطنة ، وهذا هو الرب ، ثم لا يزال يتنقل من معرفة هذه الصفات / إلى معرفة جلالته واستغنائه عن الخلق ، فحينئذ يحصل العلم بكونه ملكا ، لأن الملك هو الذي يفتقر إليه غيره ويكون هو غنيا عن